ليس من قبيل الخيال، ولا من المبالغة في شيء، القول إن المنطقة التي تسمى "الشرق الأوسط " قد دخلت مرحلة " حرب باردة "، سياسية واقتصادية وثقافية وربما أمنية أيضا، وأن من شأنها أن تشمل ليس كامل هذه الجغرافيا، بمكوناتها الدولتية والطائفية والعرقية فقط، وانما العالم كله باعتبارها خزان الطاقة الأهم والأكبر للعالم. بل وأكثر، فمن شأنها أن تطبع معالم هذه المرحلة وعلاقات القوى في المنطقة بسماتها ربما الى أمد ليس قصيرا.
لم تكن هذه حال المنطقة قبل الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، وما كشفته من تورط اقليمي (وعربي، خصوصا) في التسبب بالحرب من جهة، ثم من حملة منظمة ضد ما اتفقت عليه الأمة من جهة ثانية بهدف أخذ المنطقة ودولها وشعوبها الى موقع آخر على النقيض منه تماما. وتحديدا، قد كانت بدعة " القمة العربية... بمن حضر "، ودعوة ايران للمشاركة والتحدث ورسم اشارة النصر فيها، الشرارة التي أشعلت الحريق وأدت في الواقع الى ادخال المنطقة في هذه الحالة من " الحرب الباردة ".
قبلها، لم يكن النظام العربي (على الرغم من وهنه، بل تفككه) غافلا عن التحديات الكبرى التي تطرحها سياسات النظام الايراني الحالي في وجهه وعلى مستوى المنطقة كلها، ولا طبعا عن ضرورة مقاومتها وحتى افشالها، الا أنه كان يعمل على حصر تعامله معها في اطاريها السياسي والديبلوماسي أملا في أن يكون لعامل " المصالح المشتركة "، راهنا وحتى على المدى البعيد، قصب السبق على أي عامل فردي أو ذاتي آخر.
لكن المخطط الايراني، كما كشفت أحداث غزة وما رافقها عربيا وفلسطينيا واقليميا، كان أبعد من ذلك ووصل في مرحلته الاخيرة الى اللعب حتى بالرمزين الباقيين للنظام العربي القائم: مؤسسة القمة من جهة، وجامعة الدول العربية من جهة ثانية... على تقليدية هذين الرمزين والضعف البنيوي فيهما.
ولم يعد، كما أشارت السعودية ومصر بأكثر من طريقة ولغة في خلال أسابيع، من المواجهة المباشرة. وحتى بكل الوسائل الممكنة، عربيا وحتى اسلاميا واقليميا ودوليا، فضلا عما في اليد من امكانات سياسية ومالية واقتصادية وعلاقات دولية.
وليس اكتشافا أنه في هذا السياق تحديدا جاءت دعوة السعودية لعقد قمة طارئة لمجلس التعاون الخليجي قبل أربع وعشرين ساعة فقط من "قمة الدوحة... بمن حضر"، في محاولة واضحة لتطويقها بل ولتفريغها من مضمونها، كما جاءت لاحقا مبادرة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في "قمة الكويت" للمصالحة بين الدول العربية، ثم رفض هذه القمة أية اشارة في بيانها الختامي الى ما كان في "قمة الدوحة" من "قرارات" أو "توصيات"، وأخيرا دعوة وزراء خارجية عشر دول عربية (كلها لم تحضر قمة الدوحة) للاجتماع في عاصمة دولة الامارات من أجل التشاور حول المرحلة المقبلة. ولم يكن خافيا على أحد، بما في ذلك ايران ذاتها، أن القاسم المشترك بين هذه التحركات كان مواجهة ايران والوقوف في وجه سياساتها الاقليمية، وبالذات ضد تسللها المكشوف الى الدواخل العربية... نظاما سياسيا، ونسيجا اجتماعيا للعديد من اطراف هذا النظام.
لكن أية "حرب باردة" اقليمية، وبأية أدوات، وماذا يكون الرد الايراني ؟!
من نافل القول إن الدول العربية الفاعلة راقبت بقلق كبير – وأدانت في أوقات معينة – أدوارا سلبية لعبها النظام الايراني في كل من العراق ولبنان وفلسطين وبعض دول الخليج. وحتى موقفها من المشروع النووي الايراني تميز بأنه " حيادي " الى حد ما و " ايجابي " تجاه ايران الى حد آخر، بينما كانت تعلن تكرارا أنها لا ترى في المشروع تهديدا لها اذا كان سلميا، وأن من حق ايران – مثلها مثل غيرها من دول العالم – امتلاك التكنولوجيا النووية واستخدامها في ما يخدم قوتها ومصالح شعبها. بل ان هذه الدول، في ما يتعلق بالنفوذ الاقليمي لايران، لم تبدِ اعتراضا على مثل هذا الدور ليس على صعيد المنطقة فقط وانما حتى على صعيد العالم الاسلامي والدولي الأوسع كذلك.
الا أن موقف ايران، في رأي هذه الدول، لم يكن ايجابيا بأي شكل لا بالنسبة للأمن السياسي في دول الخليج ولا خاصة بالنسبة للاستقرار الداخلي في العراق ولبنان، فضلا عن فلسطين وبين المختلفين الى حد التقاتل الدامي على ساحتها. ومعروفة هي الاتهامات التي وجهتها كل من السعودية ومصر الى ايران، سواء في ما يتعلق بافشال اتفاق مكة الذي رعته المملكة بين "فتح" و "حماس" أو الاتفاقات الأخرى التي رعتها مصر بينهما، وصولا قبل حوالى عام ونصف العام الى ما تصفانه بـ "الانقلاب" الدموي الذي نفذته "حماس" في غزة وأدى في ما أدى الى فصل القطاع عمليا عن الضفة الغربية وعن السلطة الفلسطينية.
... الى أن كان ما كان في غزة أخيرا، ودخول ايران (وان بتواطؤ من دولتين عربيتين هما سوريا وقطر) على خط التوغل السياسي المباشر داخل النظام العربي، واعتبار ذلك نوعا من "التقسيم" الجديد للمنطقة وضربا لما بقي من روابط رسمية بين أنظمة الحكم فيها. ان على صعيد مؤسسة القمة العربية، واذن العمل العربي المشترك (على علاته!)، أو على صعيد جامعة الدول العربية على ضعفها بدورها.
ومن نافل القول أيضا، أن ايران التي تملك أوراقا عديدة ومتنوعة نجحت في المرحلة الماضية في تجميعها، لن تتوانى عن استخدام هذه الأوراق – الأسلحة الى أبعد حد... للدفاع عن استراتيجيتها من ناحية ولتثبيت دورها ونفوذها في المنطقة أولا، ثم على امتداد العالم، من ناحية ثانية. أية أوراق – أسلحة في يد ايران ؟!
- هناك أولا ورقة سوريا التي تعود الى عقود طويلة، والتي زادها رسوخا في الفترة الأخيرة تردي العلاقات بين دمشق ومعظم دول العالم العربي، ثم ورقة قطر المستجدة حديثا. بغض النظر عما اذا كانت هاتان الدولتان قادرتين – خصوصا الأخيرة منهما – للبقاء طويلا على ما هما عليه من ارتباط بالمشروع الايراني كما بدا خلال الشهرين الماضيين.
- وهناك ثانيا، فضاء الخليج ومياهه ("جدار برلين" في "الحرب الباردة" الجديدة) والجزر المتناثرة في مقابل ضفتيه، فضلا عن مدخله في " مضيق هرمز " وامكان اللعب باقفاله وفتحه أو التهديد بهما عند الحاجة. استمرار احتلال ايران للجزر الاماراتية الثلاث مؤشر على ذلك، وحديثها العلني عن اقفال " مضيق هرمز " ردا على احتمالات أميركية واسرائيلية ضدها دليل آخر.
- لكن هناك أساسا، وقبل ذلك كله، ما تصفه ايران ذاتها بأنه احتياطها الاستراتيجي – سياسيا وايديولوجيا وعسكريا وماليا – في لبنان وفلسطين (وربما العراق مجددا؟!)، والامكانات التي يملكها هذا الاحتياطي ان لم يكن لتحقيق النصر في هذه "الحرب"، فأقله لاحداث المزيد من القلاقل والتشرذم والاضطرابات في جسم النظام العربي.
•••
"حرب باردة" جديدة، وربما مديدة وتخريبية فعلا، على مساحة المنطقة ؟!
يمكن القول ان هذه الحرب باتت أمرا واقعا، ولم تعد من قبيل الخيال ولا من قبيل المبالغة في شيء.
محمد مشموشي